الفكر الحركي بين ثقافة الوعي الجمعي وضرورة الوعي النقدي

874 مشاهدةآخر تحديث : الثلاثاء 24 يناير 2017 - 11:15 صباحًا
2017 01 24
2017 01 24

بقلم : هشام البشري

تكلمت في المقال السابق عن إشكالية (جدلية العقدي والسياسي في الفكر الحركي)، وأثناء تعميق البحث في الموضوع أجد شهيتي تفتح على موضوع أخر، يرتبط بالفكر الحركي وهو كالتالي: (الفكر الحركي بين ثقافة الوعي الجمعي وضرورة الوعي النقدي)، فمن يتأمل في واقع الحركة الإسلامية سيلاحظ أن الوضع يزداد تعقيدا، وأن العمل الحركي تطغى عليه الطائفية والعصبية، مما يعرقل حقيقة الإجماع أو الوعي الجمعي الذي كان من الواجب أن تلتزم به الأمة الإسلامية لأنه من صلب توجهاتها، فخطورة المرحلة التي تمر منها تفرض عليها أن تنتقل من دائرة الفكر الحضاري إلى دائرة الفعل الحضاري، والوعي بالإجماع وتوحيد الكلمة بتغليب الأولويات وتقديم مواضع الاتفاق على الاختلاف.

لهذا لابد من مراجعة حقيقة لمفهوم الإجماع حتى ننقل الأمة من دائرة الوجود إلى دائرة الحضور كما يسمي ذلك الدكتور عصام البشير، فالغرب أجمع رأيه ووحّد اقتصاده، وسياسته، فبعد ما انتهت الحرب العالمية الثانية أدرك الغرب أن الإجماع ضرورة ملحة للسيطرة على العالم، وتعويض كل الخسائر التي تلقتها الدول الأوربية.

1ـ الحركة الإسلامية وثقافة الوعي الجمعي

مما لا شك فيه أن الخطاب القرآني يحث الأمة الإسلامية في مجموعها على أن تجمع شملها، فمن تتبع آيات الله عز وجل يجدها تجعل من الاعتصام بحبل الله من أهم شروط النجاح، ومن هذه الآيات قول الله عز وجل: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون)1، والمقصود بالاعتصام هنا الوحدة المعرفية والاستعانة بالله عز وجل من أجل بناء الأمة القوية اقتصاديا، وسياسيا، وثقافيا، واجتماعيا، فلا يعقل أن تملك الحركة الإسلامية من نصوص الوحي ما يجعلها تأسس مناهج التغيير الحضاري، ومع ذلك نجد خطابها يزكي روح الفرقة والعصبية المذهبية.

كم عدد السنوات التي مرت على ظهور الحركة الإسلامية؟ فما هو حجم تأثيرها في العالم؟

في مقابل ذلك نجد الحركة الدعوية للنبي صلى الله عليه وسلم استغرقت 23 سنة، وكان لها انتشارا واسعا في كل أقطار العالم، ففي عهده صلى الله عليه وسلم كان لثقافة الوعي الجمعي دورا مهما في النهضة الحضارية، فأول ما قام به هو بناء اللحمة التي تجمع الناس على الخير، فرغم الاختلافات التي تقع بين أصحابه رضوان الله عليهم تبقى للإجماع سلطته في تقرير مصير الأمة. أما الحركة الإسلامية اليوم فتعاني من الشتات، وأصبح لها شعار كل جماعة بما لديهم فرحون، وتحول الاختلاف إلى خلاف يعكر صفو العلاقات الاجتماعية والسياسية، فلابد من الاستفادة من حركة التاريخ ولا نقرأ الحاضر بمعزل عن التاريخ، فوعي الحركة الإسلامية بقضية الوعي الجمعي تاريخيا يجعلها تدرك المثل العليا التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن يتمعن في الفكر التاريخي للأمة الإسلامية سيجد أن النظرة العشائرية سادت منذ مدة من الزمن، فمعظم المؤرخين قسموا تاريخ الأمة إلى مساحات تاريخية نتجت عنها العصبية والانتماء للتنظيمات بدل الانتماء للأمة الأصل، وما ظهور الحقبة الأموية و الفترة العباسية من تاريخ الأمة إلا تعبير عن النكسة الحضارية لمفهوم الفكر الجمعي، ومنذ بروز فكرة التقسيم الزمني لتاريخ الأمة، ظهر مفهوم القومية والعصبية للأفراد بدل للمشروع الحضاري للرسالة الخالدة، فإن تأملنا في الفكر الحركي المعاصر سنجد أنه يعكس الاستمرارية للفكر العشائري، فمعظم التنظيمات الحركية تربي أفرادها على حب الانتماء للتنظيم الذي يشمل مجموعة من الأفراد الذين قد تربطهم روابط اجتماعية أو غير ذلك، في حين يغيب عن مقاصدها تربية الإنسان على الانتماء للأمة الأصل.

كثيرة هي النصوص القرآنية التي تذكرنا بأهمية ثقافة الوعي الجمعي فمثلا قوله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾2 ففي هذا النص القرآني رؤية فكرية يمكن أسميها بالتمازج الحضاري، تعطينا الانطلاقة في بناء إنساني متماسك تذوب فيه كل الثنائيات ويتشكل المجتمع الموحد كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، فلم نسمع بالحركة الإسلامية للمهاجرين، ولا الحركة الإسلامية للأنصار، فأمام هذه الصورة الايجابية لابد من عملية نقدية للوضع الحالي من أجل تجاوز مرحلة الأزمة.

2ـ استثمار المباحث الأصولية (الإجماع) و(المصلحة) في تقوية الصف الحركي:

إن تتبع النصوص الشرعية يؤكد لنا أن وحدة الأمة من المقاصد الأساسية لتقدمها، فمثلا حديث رسول الله صلى الله وعليه وسلم: (لا تجتمع أمتي على ضلالة)3 يزكي في الأمة أهمية العمل الجماعي بروح جماعية منسجمة ويسهل ما يعرف عند الأصوليين بالإجماع، ولقد استدل أهل الأصول على حجية الإجماع بقوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا)4 ، فتوعد الله عز وجل المخالفين لسبيل المؤمنين بالعذاب، ودل هذا النص على وجوب إتباع سبيل المؤمنين، وحرمة مخالفتهم على ما أجمعوا عليه والتزموا به في أمورهم الشرعية، ولا أريد أن أستفيض في هذه النقطة لأن أهل الأصول تكلموا فيها كثيرا، والغرض عندي هو أن يتأسس الفكر الحركي على فكرة الإجماع لتقوية صفه لمواجهة الفكر المتطرف الذي ينطق باسمه، فاليوم أصبحت فكرة الإجماع ضرورية لأن الواقع يفرض ذلك، فسلطته تمنعه الجسم الحركي من الوقوع في الخطأ، فلا أريد أن أتكلم عن إمكانية تحققه من عدمه، فما دام الغرب يتكتل في إطار مجموعات اقتصادية وسياسية فلماذا لا يجتمع الصف الحركي ويوحد خطته؟

يجب على أهل الحركة الإسلامية أن يستثمروا الإجماع ونظرية المصلحة في جمع الشمل، وهنا أريد أن أنبه أحي القارئ إلى كتاب مفيد في هذا الباب وهو: (مراجعة نقدية للإجماع بين النظرية والتطبيق)5.

ولا ننسى أهمية نظرية المصلحة، لما لها من دور مهم في مساحة العفو في الشريعة الإسلامية، ولئن كانت للأمة عصمة بالإجماع، فإن نظرية المصلحة تعتبر مبدأ أساسيا في الممارسة السياسية للحركة الإسلامية، وبالرجوع إلى كتب التراث نجد بعض المتقدمين يعطون لها أهمية كبيرة، فنجم الدين الطوفي الحنبلي يقدم المصلحة على غيرها عند التعارض، وقال برعاية المصالح في المعاملات أقوى من الإجماع، وأما الإمام مالك رحمه الله يقال عن فقهه أنه قائم على المقاصد والمصالح، يقول الدكتور حمادي ذويب: (تبدو مسالة أخذ إمام المذهب المالكي مالك بن أنس (ت179 هـ) بالمصلحة مسألة خلافيّة بين العلماء القدامى والمحدثين في الآن نفسه، ففي الفكر الإسلامي المعاصر اعتبر بعض الدارسين أن كلمة الأصوليين، تكاد تجتمع قديما وحديثا على أن مالك هو أهم القائلين بالمصلحة المرسلة، حتى نسب إليه بعضهم القول بها على الإطلاق، وإن خالفت عموميات النص، بينما ادعى آخرون أن مالكا يقول بها وحده)6.

إذن يتعين على المشتغلين بهم الحركة الإسلامية أن يستثمروا التراث في خدمة المشروع الحركي، بشكل ينسجم مع الظروف الجديدة والنوازل المعاصرة، وأن لا تبقى الحركة الإسلامية سجينة القديم الذي لا يتجدد.

3ـ الفكر الحركي وضرورة الوعي النقدي

عندما أتكلم عن ضرورة النقد للمشروع الحركي لا يجب أن يفهم أنه تمردا أو تنقيصا من أهميته ، فالواقع يفرض علينا أن نعمق البحث والنظر في آليات العمل الحركي، فالظروف الراهنة تفرض على الجسم الحركي أن يتجاوز كل الخلافات الفرعية والعقبات التنظيمية، كما يجب أن يفهم أن النقد الذاتي ظاهرة صحية ومهمة للحركة الإسلامية، بل هو جزء أساسي من عملية التطوير والتقويم المستمر، وطالما كان الأمر كذلك، فما أحوج الفكر الحركي إلى ثقافة النقد الذاتي، من أجل ترشيده، وتخليصه من الأمراض التنظيمية كالعصبية، والطهرانية، والجمود..

فالحركة الإسلامية محاصرة، محلياً وإقليمياً ودولياً، وتوجه إليها سهام النقد ليلا نهارا، من أجل تشويهها أمام شعوبها وأمام العالم، حتى أصبحت نعت تابع للتطرف والإرهاب، ومن شأن النقد الذاتي لها أن يجعل العاملين فيها يعرفون الصحوة بعد الغفلة، واليقظة بعد النوم العميق ، والتجديد بدل التقليد، والوسطية بدل التطرف، وضرورة النقد تذكر القادة بالحركة الإسلامية بالالتحام بشعوبها من أجل أن تنجو من المؤامرات والمكائد.

وحتى تنجح مهمة الحركة الإسلامية لابد من تجاوز مجموعة من الأمراض المعاصرة التي أصبحت تعرقل المهمة الرسالية لها، ومن أهم هذه الأمراض مايلي:

1ـ العصبية الحزبية:

وهي داء عضال تعاني منه الحركة الإسلامية، فمن مقاصد العمل الحركي خدمة الإنسان ومحاولة تمتين الالتزام بالشريعة الإسلامية، لكن مع كامل الأسف تحولت الدعوة الإسلامية من الدعوة إلى الإسلام إلى الدعوة للتنظيم، وانقلاب الوسائل إلى غايات فأصبح الانتماء الحركي غاية، مما ساهم في ضمور الوعي الجمعي.

2ـ السطحية في تناول المستجدات المعاصرة:

إن الحماسة في التدافع مع المستجدات والنوازل المعاصرة تتطلب من الفكر الحركي أن يكون واعيا بما يجري من أحداث وتطورات، وأن يتعامل معها بمنطق الملائمة بين النص والواقع، فلا نجعل من النص الشرعي يناقض الواقع، فمثلا في قضية المرأة لا نهتم بالشكل على حساب المضمون، كمن يناقش فرضية النقاب ويهمل جوهر المرأة في تعليمها والاهتمام بها على أساس أنها نصف المجتمع وإسهامها في البناء، وهنا أدعوا القراء الكرام لقراءة كتاب (تحرير المرأة في عهد الرسالة) للمؤلف عبد الحليم أبو شقة.

ومن مظاهر السطحية انتشار فكر الحرام دون الحلال في المخيال الثقافي عند بعض الحركيين، وأذكر لكم قصة واقعية لبعض الأصدقاء عندما أراد أن يذهب للولايات المتحدة الأمريكية التجأ لأحد الحركيين قصد مساعدته ماديا فقال له منفعلا إن الذهاب إلى أمريكا حرام، فتسأل صديقي قائلا لماذا يا شيخنا الفاضل؟ فأجابه باختصار إنها بلاد الكفر.

فبعض الدعاة سامحهم الله يجهلون أن في الدين مساحة كبيرة تسمى بالحلال وأن الأصل في الأشياء الإباحة.

3ـ دعوى طهرانية التنظيمات الحركية وجاهلية المجتمع:

من المؤسف جدا أن نجد بعض الدعاة يكفرون الناس لمجرد الاختلاف معهم فكريا، فالله تعالى يقول: (لكم دينكم ولي دين)، ويقول تعالى أيضا: (لنا أعمالنا ولكم أعمالكم)، فمشروعية الاختلاف لا تعني اعتبار المخالف لك كافرا جاهلا، فيجب أن يكون الاختلاف طريقا للحوار البنّاء.

ومما يعاني منه الفكر الحركي أيضا النظرة السلبية للواقع، والتعميم في الحكم عليه دون تحديد المؤسسات التي تتحمل المسؤولية فيما تعاني منه الأمة.

4ـ أولوية السياسي على الفكري والثقافي:

ففي هذه النقطة ينبغي التنبيه إلى أن الحركة الإسلامية تعاني من ظاهرة التضخم السياسي كما يسميه الشيخ فريد الأنصاري رحمه الله، وهنا أدعوا القراء الكرام لقراءة كتاب (البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي)، يقول رحمه الله: (وعنوان بحثنا ناطق بما آل إليه من نتائج، حاصلة عن نقد ظاهرة (التضخم السياسي) لدى (الإسلاميين) سواء منها ما له علاقة بنفسية الصدام السياسي، أو ما له علاقة بالانتفاخ السرطاني للعمل السياسي، في حركة تجديد الدين في المجتمع)7 ، وللمزيد من التوسع في هذا الموضوع يمكن الاطلاع على كتابه رحمه الله (الفجور السياسي والحركة الإسلامية بالمغرب: دراسة في التدافع الاجتماعي).

5ـ الحركة الإسلامية وكارزماتية القيادة وغياب القواعد الثابتة:

وهنا أستحضر كتابا مفيدا للدكتور عمر عبيد حسنة (مراجعات في الفكر والدعوة والحركة)، وكتابه (نظرات في مسيرة العمل الإسلامي)، يقول في الدكتور عمر عبيد حسنة: ( عجز الحركات الإسلامية وعدم قدرتها على استنبات قيادات متجددة ومعاصرة بالقدر المأمول، تضمن القدرة على التواصل.. وغالبًا ما تتوهم أن المحافظة على استمرار القيادات -حتى ولو أصبحت عاجزة- نوع من الوفاء . الأمر الذي جعلها تتجمد، وتتحنط، وتتكلس، وتتحول لتقتات بتاريخه، وقد نسيت هذه الحركات أن الثبات إذا كان واجبًا، فإن التغيير ضرورة )8.

5ـ محاصرة التيار النقدي داخل الصف الحركي:

إن المتتبع للحركات الإسلامية سيلاحظ أنها تقتل في صفوفها عناصر الإبداع، ففي مقالي هذا لا أريد أن أوجه الكلام لتنظيم معين لأن الغرض منه هو الوقوف على موطن الخلل قصد المعالجة والمساهمة في مناقشة الموضوع دون تحيز، فبعض التجارب الحركية بمجرد ما تظهر بعض العناصر النقدية التي تعرب عن أفكارها في عملية النقد من الداخل يتم تقليم أظافرها حتى لا يسمع لها صوتا، فبهذه العقلية يتم تنميط الخطاب الحركي وجعله في قالب موحد يتم تعميمه على الجميع.

وكثيرة هي الأمراض الحركية فلا يمكن حصرها، فقد أشرت إلى بعضها لأن الموضوع يطول بنا كثيرا.

والله تعالى أسأل التوفيق والسداد، وأن يهيئ للأمة أمر رشدها ويجمع شملها.

الهــــــــــــــــــوامش

1: سورة آل عمران الآية 103. 2: سورة الحجرات الآية 3: حسنه الشيخ الألباني رحمه الله في السلسة الصحيحة. 4: سورة النساء الآية 115. 5: للكاتب لحمادي ذويب الناشر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 6: أنظر مقالة الدكتور لحمادي ذويب: (مالك بن أنس وإشكالية أخذه بالمصلحة). 7: البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي للشيخ فريد الأنصاري ص 4، منشورات ألوان مغربية. 8: أنظر كتاب الدكتور عمر عبيد حسنة، مراجعات في الفكر والدعوة والحركة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.